نخبة من الأكاديميين
96
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
العربية ما يدل على أن المسيحيين المحليين تأثروا سلبًا بسبب أحداث الحروب الصليبية ما خلا ممارسات الفرنج الكاثوليك ضدهم وعدوانهم على كنائسهم وممتلكاتهم . وقد ساعد على استقرار التعايش بين المسلمين والمسيحيين في المشرق ، أن الصليبيين كثيرًا ما هاجموا ممتلكات المسيحيين المحليين واستولوا على كنائسهم . وما كان معروفًا بالضرورة من الاختلاف المذهبي العنيف بين الكنيسة الأرثوذكسية الكنيسة الغربية الكاثوليكية ، وتاريخ العداء العنيف الذي كان قد وصل إلى حد الانشقاق الكبير بين المذهبين سنة 1054 م ، جعل المسيحيين المحليين يرون في الحركة الصليبية بالضرورة حركة عدوان خارجي ضد أوطانهم . على الجانب الآخر نجد الصورة التي عرفها المسلمون عن الغرب تكاد تكون محصورة في الصليبيين الذين كانوا قد صاروا « جيراناً » بالقوة في المنطقة العربية ، وفي الإسبان الذين كانوا قد صاروا « جيراناً » بالقوة أيضًا بعد الفتح الإسلامي للأندلس في النصف الأول من القرن السابع الميلادي . فقد وصف المؤرخ الأندلسي ابن عبدون القساوسة بأنهم « أشرار » . لكن الأمر في شرق المنطقة العربية ، زمن الحروب الصليبية ، كان مختلفًا . فقد وصف عماد الدين الأصفهاني ، الذي كان من رجال صلاح الدين الأيوبي في كتابه « الفتح القسي في الفتح القدسي » الصليبيين بقوله : « . . . والكفار قد خشنت عرائكهم ، واتسعت ممالكهم . . وقاتلوا جندًا ورعية ، وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون . . . فلا ينزع الحديد لوضوء ولامسح ، شقرًا كأنما لفحت النار وجوههم ، وهم فيها كالحون . . . قد نزع الله الرقة من قلوبهم . . . فظاظ ، جهنميون ، كلامهم شرر ، وأنفاسهم شواظ . . . خلق الله الخلق من طين ، وخلقهم من حجارة . . . » . لقد كان ما ارتكبه الصليبيون من أهوال تتسم بالوحشية الشديدة والقسوة ، حتى بمقاييس تلك العصور ، من أسباب هذه الصورة العنيفة التي رسمتها كلمات عماد الدين الأصفهاني . فقد كانت مذابح أنطاكية 1098 م ، ومعرة النعمان ، والبارة ، ومذبحة بيت المقدس سنة 1099 م ، والمذبحة التي ارتكبها ريتشارد الأول ( قلب الأسد ) ضد أهالي عكا ، على الرغم من الأمان الذي بذله لهم سنة 587 ه - / 1191 م . . . وغيرها من الأمثلة ، مبرراً لهذه الصورة العنيفة . كما أن أسامة بن منقذ في كتابه « الاعتبار » يقدم لنا أمثلة أخرى عن وحشية الصليبيين في معاملة الأسرى . وإذا كانت المصادر التاريخية العربية قد نظرت إلى الصليبيين باعتبارهم من الكفار ، فإن ذلك لم يكن إنكارًا للمسيحية نفسها ، وإنما كان يعكس العلاقة بالصليبيين باعتبارهم « أعداء » من ناحية ، وكفارًا من ناحية أخرى . فقد وردت عبارات مثل : « الكفار » و « العدو المخذول » أو « الإفرنج لعنهم الله » في المصادر التاريخية العربية المعاصرة كافة أوفي تلك التي كتبت عن أحداث الحروب الصليبية بمراحلها المختلفة . لقد كان طبيعيًا أن تتعامل المصادر التاريخية العربية مع الصليبيين من موقف عدائي وهكذا كان التكفير متبادلًا بين الطرفين . لكن هذه المصادر التاريخية العربية لم تخلْ من السمة الموضوعية التي افتقرت إليها المصادر اللاتينية ؛ فلم ينسب المسلمون إلى الديانة المسيحية شيئًا سلبيًا ، لأنهم كانوا « يعرفون » المسيحية وكانوا يحترمون